الاقتصاد الروسي “وهم زائف” .. والصين تخسر النفوذ في الخارج

في إطار المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين، التي تتداخل فيها معركة كسب النفوذ مع الحرب التجارية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية السابقة، هل يمكن أن تتطور تلك المنافسة إلى أكثر من ذلك؟.

يقول المحلل الأمريكي جون أوستن، مدير مركز ميتشغان الاقتصادي وزميل كبير غير مقيم في مؤسسة بروكنغز ومجلس شيكاغو للشؤون الدولية، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية، إن الصين وروسيا حريصتان على تأكيد نموذجيهما الاستبداديين الخاصين بـ”العظمة” الوطنية. ويرتبط بهذا الهدف هدم النظام الدولي الذي صاغته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد الحرب العالمية الثانية، وهو نظام دولي مفتوح قائم على القواعد، جلب الرخاء للعديد من الدول بما فيها الصين بمجرد أن تبنته بكين.

ولكن العظمة الوطنية سواء كانت نفوذا سياسيا أو قوة ناعمة أو قوة عسكرية، بحسب أوستن، هي إلى حد كبير وظيفة للقوة الاقتصادية. ومن خلال المشاركة في النظام التجاري والاقتصادي الرأسمالي المفتوح بنت الصين قوة اقتصادية. والآن أصبحت الصين والعالم مترابطين اقتصاديا. ويعتمد الكثيرون على صادرات الصين، وتريد الشركات العالمية الحفاظ على الوصول إلى السوق الصينية.

ويضيف أوستن أنه في الوقت نفسه خسرت روسيا قوتها؛ فمع ناتج محلي إجمالي بحجم إيطاليا، واستنزاف الغالي والثمين لديها بعد غزو أوكرانيا، فإن الاقتصاد الروسي هو حرفيا وهم زائف، وزاد أنه بعد الحرمان من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين لم يكن أحد بحاجة إلى الاقتصاد الروسي. والطريقة الوحيدة لروسيا لتأكيد نفوذها في العالم والحفاظ على وهم “العظمة” أصبحت من خلال الأعمال العسكرية المدمرة.

والآن، تخاطر الصين بفقدان مصدرها الحقيقي للقوة والنفوذ، وهو اقتصادها القوي والقائم على ريادة الأعمال والمتشابك عالميا. ويعمل الرئيس شي جين بينغ على كبح جماح رواد الأعمال وحرية التعبير، ما يخيف الشركات الأجنبية والمستثمرين ورجال الأعمال الصينيين. وتخسر الصين أعمالها في الخارج، حيث تعمل العديد من الدول والشركات على الانفصال عن الجهاز الاقتصادي الذي تديره الدولة. كما أن معدل المواليد في الصين آخذ في الانخفاض، والنمو يتباطأ والزعامات السياسية تتجمع حول “رجل قوي” أكثر تركيزا على السيطرة في الداخل والتهديد بالحرب في الخارج من الرخاء الاقتصادي.

ويقول أوستن إن أغلب المراقبين توقعوا أن صعود الصين سوف يطغى على نفوذ أمريكا الاقتصادي والسياسي في العالم. وهذه هي قصة الانحدار الأمريكي وصعود الصين التي روج لها شي جين بينغ. وترى الحكمة التقليدية أيضا أن هذه الديناميكية هي المصدر الأكثر ترجيحا للصدام العسكري بين الصين والولايات المتحدة. ويمكن أن ينشب صراع من خلال إمبراطورية في حالة تراجع تهددها قوة صاعدة.

لكن هذا لا يصف الواقع الحالي، إذ تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها بجد. وحتى الآن، يحافظون على أرضية اقتصادية عالية من خلال ابتكارات، مثل أسرع الرقائق والذكاء الاصطناعي، وهو ما يقود الشركات الجديدة ويحافظ على الأمن القومي. لقد ذهب اقتصاد الإبداع في روسيا، وتطارد الصين اقتصادها بعيدا، ما يكشف عن هشاشة النظام المدعوم بالإنفاق الحكومي، والاتجاه السياسي في مقابل اتجاه السوق، وفقا لما يقوله أوستن.

ويضيف المحلل ذاته أنه مع ذلك، هذه ليست كل الأخبار الجيدة؛ فكما تبين فإن قوة معزولة ومتضائلة بشكل متزايد مثل روسيا تختار الهجوم عسكريا. والصين التي تبدأ فقدان أسس نفوذها الدولي الجديد يمكن أن تكون أكثر خطورة وأكثر حرصا على تأكيد “عظمتها” من خلال المغامرات العسكرية والإكراه السياسي والاقتصادي.

كما يقول أوستن إن تجنب الحرب يتطلب توازنا دقيقا، مضيفا أنه في الولايات المتحدة يجب أن نعترف بتطلعات الشعب الصيني القائمة على الهوية، أي الرغبة في الاعتراف به كأمة عظيمة وأن ينهض اقتصاديا، ويزيد: “علينا أن نقول للصين: نرحب بنهضتكم كأمة عظيمة وثقافة وشعب عظيم.. ليس لدينا رغبة في إبقائكم محبطين، لكننا لا نرحب في الإكراه السياسي والاقتصادي للدول والشعوب الأخرى، وأعمال القوة العسكرية. وبالعمل مع الحلفاء، سنتحقق من هذه الجهود ونحتويها عند كل منعطف”.


Posted

in

by

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *